الشيخ الطبرسي

271

تفسير مجمع البيان

أضاف ذلك إلى نفسه إكراما وتعظيما لهم . وقوله : ( ووحينا ) معناه : وعلى ما أوحينا إليك من صفتها وحالها ، عن أبي مسلم . وقيل : المراد بوحينا إليك أن اصنعها ، وذلك أنه عليه السلام لم يعلم صنعة الفلك ، فعلمه الله تعالى ، عن ابن عباس . أي : فإنا نوحي إليك بما تحتاج إليه من طوله ، وعرضه ، وهيأته . ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ) أي : لا تسألني العفو عن هؤلاء الذين كفروا من قومك ، ولا تشفع لهم ، فإنهم مغرقون عن قريب . وهذا غاية في الوعيد كما يقول الملك لوزيره : لا تذكر حديث فلان بين يدي . وقيل : إنه عنى به امرأته وابنه ، وإنما نهاه عن ذلك ليصونه عن سؤال ما لا يجاب إليه ، وليصرف عنه مأثم الممالأة للطغاة ( ويصنع الفلك ) أي : وجعل نوح عليه السلام يصنع الفلك ، كما أمره الله تعالى . وقيل : وأخذ نوح في صنعة السفينة بيده ، فجعل ينحتها ويسويها ، وأعرض عن قوله . ( وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ) أي : كلما اجتاز به جماعة من أشراف قومه ورؤسائهم ، وهو يعمل السفينة هزؤا من فعله . وقيل : إنهم كانوا يقولون له : يا نوح ! صرت نجارا بعد النبوة ؟ على طريق الاستهزاء . وقيل : إنما كانوا يسخرون من عمل السفينة ، لأنه كان يعملها في البر على صفة من الطول والعرض ، ولا ماء هناك يحمل مثلها ، فكانوا يتضاحكون ، ويتعجبون من عمله ( قال ) أي : كان يقول لهم ( إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ) والمراد : إن تستجهلونا في هذا الفعل ، فإنا نستجهلكم عند نزول العذاب بكم ، كما تستجهلونا ، عن الزجاج . وقيل : معناه فإنا نجازيكم على سخريتكم عند الغرق والهلاك ، وأراد به تعذيب الله إياهم ، فسمى الجزاء باسم المجزي به ، ويحتمل أن يريد فإنا نسخر منكم بعد الغرق على وجه الشماتة ، لا على وجه السفه . ( فسوف تعلمون ) أينا أحق بالسخرية ، أو تعلمون عاقبة سخريتكم ( من يأتيه عذاب يخزيه ) هذا ابتداء كلام من نوح ، والأظهر أن يكون متصلا بما قبله أي : فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يهينه ويفضحه في الدنيا ، ويكون يخزيه صفة العذاب ( ويحل عليه عذاب مقيم ) أي : وينزل عليه عذاب دائم في الآخرة . القصة : قال الحسن : كان طول السفينة ألف ذراع ومائتي ذراع ، وعرضها